سيد قطب
2305
في ظلال القرآن
استثناء ، حتى المخلوقات التي لا يوجد فيها ذكر وأنثى متميزان تتجمع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث . . جرت هذه السنة أحقابا طويلة حتى استقر في تصور البشر أن هذه الطريقة الوحيدة ، ونسوا الحادث الأول . حادث وجود الإنسان لأنه خارج عن القياس . فأراد اللّه أن يضرب لهم مثل عيسى ابن مريم - عليه السلام - ليذكرهم بحرية القدرة وطلاقة الإرادة ، وأنها لا تحتبس داخل النواميس التي تختارها . ولم يتكرر حادث عيسى لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها اللّه ، وأن ينفذ الناموس الذي اختاره . وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرية المشيئة ، وعدم احتباسها داخل حدود النواميس « وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ » . ونظرا لغرابة الحادث وضخامته فقد عز على فرق من الناس أن تتصوره على طبيعته وأن تدرك الحكمة في إبرازه ، فجعلت تضفي على عيسى ابن مريم - عليه السلام - صفات ألوهية ، وتصوغ حول مولده الخرافات والأساطير ، وتعكس الحكمة من خلقه على هذا النحو العجيب ، - وهي إثبات القدرة الإلهية التي لا تتقيد - تعكسها فتشوه عقيدة التوحيد . والقرآن في هذه السورة يقص كيف وقعت هذه العجيبة ، ويبرز دلالتها الحقيقية ، وينفي تلك الخرافات والأساطير . والسياق يخرج القصة في مشاهد مثيرة ، حافلة بالعواطف والانفعالات ، التي تهز من يقرؤها هزا كأنما هو يشهدها : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً . فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ، فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . قالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قالَ : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا . قالَتْ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ؟ قالَ : كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا . . وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا » . . فهذا هو المشهد الأول - فتاة عذراء . قديسة ، وهبتها أمها وهي في بطنها لخدمة المعبد . لا يعرف عنها أحد إلا الطهر والعفة حتى لتنسب إلى هارون أبي سدنة المعبد الإسرائيلي المتطهرين - ولا يعرف عن أسرتها إلا الطيبة والصلاح من قديم . ها هي ذي تخلو إلى نفسها لشأن من شؤونها التي تقتضي التواري من أهلها والاحتجاب عن أنظارهم . . ولا يحدد السياق هذا الشأن ، ربما لأنه شأن خاص جدا من خصوصيات الفتاة . . وها هي ذي في خلوتها ، مطمئنة إلى انفرادها . ولكن ها هي ذي تفاجأ مفاجأة عنيفة . . إنه رجل مكتمل سوي : « فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » . . وها هي ذي تنتفض انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها ، فتلجأ إلى اللّه تستعيذ به وتستنجد وتستشير مشاعر التقوى في نفس الرجل ، والخوف من اللّه والتحرج من رقابته في هذا المكان الخالي : « قالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا » فالتقيّ ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن ، ويرجع عن دفعة الشهوة ونزغ الشيطان . . وهنا يتمثل الخيال تلك العذراء الطيبة البريئة ذات التربية الصالحة ، التي نشأت في وسط صالح ، وكفلها زكريا ، بعد أن نذرت للّه جنينا . . وهذه هي الهزة الأولى . « قالَ : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا » . . وليتمثل الخيال مقدار الفزع والخجل . وهذا